دفعتى واخى العميد شرطه نبيل معتصم محمد على يرثى حسن ساتى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دفعتى واخى العميد شرطه نبيل معتصم محمد على يرثى حسن ساتى

مُساهمة  bushra mubark في السبت ديسمبر 20, 2008 9:46 pm



دفعتى واخى العميد شرطه نبيل معتصم محمد على يرثى حسن ساتى

--------------------------------------------------------------------------------





لعله كان على موعد مسبق للرحيل منذ أن عاد إلى عش الوطن قبل عام واحد من الآن .. بعد أن قضى في فضاءات الغربة ما يقارب العقدين من الزمان .. قضاهما في رحاب بلاط الجلالة وهو يدشن أعماله النابهة في العديد من مدن العالم بما في ذلك بلاد الإفرنج .. غادر الوطن وقد دفعته مشاعر النفس الأبية لأن يستجم قليلاً من عتمة قاسية .. وكعهده لم يركن للسكون .. ولم يستجم كثيراً .. إذ عاود الهتاف والنشيد على أرصفة صاحبة الجلالة مجدداً هنا وهناك .. كان يحلم بفضاءات تسع وجدانه المثابر ليحقق بعضاً من مراميه السامية في عالم الفكر والصحافة ، كان مهموماً بقضايا الأنسانية .. مشرئباً نحو عوالم النور .. محلقاً بجسمه النحيل في سماوات عُلا .. محدقاً في إنبهار .. مشدوداً إلى مهنته التي إختار .. بعد أن فارق تخصصه في علوم الصحة العامة والتي حصل على مؤهلها العلمي في أعرق جامعات الوطن..

غازل محيا الصحافة وهو يافع يتلمس الطريق .. بدأ صغيراً يحركه إحساس كبير يسكن فؤاده النبيل .. إلى أن إستبان الطريق إلى النجومية وإلى مرافئ العلياء والسموق.

إنطلق بفكره الثاقب الأخاذ يسكب عصارة جهده المنساب في سحر ووضاءة إلى أن فاقت نجوميته المحلية لتعانق فضاءات العالم من حولنا .. تحليلاً .. وسياسة .. وعبق .. كانت تلجأ إليه منابر الرأي العامة ومعظم القنوات الفضائية تستطلع رأيه في العديد من قضايا الهم العربي والغربي وكان كعهده وسيماً في عطاياه وفي مداخلاته .. يحدثك بماكينة قوتها أربعون من الشموع المتقدة الذكية .. ينساب الحديث منه في هدوء وسكينة وسمو راسخ وبعض من حياء العلماء .. يتحدث إليك .. يحلق بك .. يطوف بك من علياء إلى علياء ولا تملك إلا أن تُلحق إلى جنبيك أجنحة لتجاريه في خيلائه الساحر وفي فكره العريض .. نعم إنه دوماً يتوهج .

أربعون عاماً قد قضاها الشهيد خادماً في حضرة بلاط الصحافة وميلاد العرائس .. لم يخفت له أُوار ولم يسكن له مداد .. تراه متمدداً في كل المساحات .. وعلى كافة الأمكنة والأصعدة وهو يتقدم الركب .. حاملاً بين يديه يراع ذكي تشع من خلجاته أشعة هادئة تنير الطريق .. وتتوسم الخير.

نعم .. لقد كان سامقاً .. سامياً .. كما النخيل في بلاده .. في وطنه الصغير .. منذ أنجبته قرية العفاض في محلية مروي .. لم تكن القرية وقتها تدرك أنها قد رفدت الحياة السودانية وغيرها بأحد الأفذاذ ممن سيشكلون علامة مضيئة في تاريخ الصحافة والفكر الإنساني .. ولكنه كان قد إستمد بعض رحيقه من ذاك الحسن الباهي المتمدد على صفحة النيل عند قرية العفاض الولود التي أنجبت ذاك النجيب اللافت.

لقد ظل وعلى الدوام مشعلاً من مشاعل النور .. معلماً كبيراً .. فارساً مغواراً في عالم الصحافة والأدب .. لا يشق له غبار .. بل كان جيلاً بحاله ونخلة سامقة تداعبها الريح فتهدي ثمار الألق وعطاء الروح.

لعلها مواسم الرحيل .. رحيل النبلاء .. لقد كان العام الجاري وهو يكاد إن ينسدل حاراً في إيقاعه على وجدان الأمة السودانية .. فشموع باهرة قد أرست سدولها في بحره وتوارت شموس .. وكما البدر في تمام عنفوانه وبهائه كان الرحيل القاسي الذي إرتجت له مشاعر الجميع .. وكان العام عام للأحزان المنفطرة..

عام واحد قد قضاه في رحاب الوطن الوسيم بعد أن إشتدت لديه جذوة الشوق العارم فحمل كل أدوات الفكر والكتابة وعاد ليحط الرحال عند الحديقة العروس .. آخر لحظة .. التي إلتأم فيها إلى تلاميذه الناشطين مؤسساً ذلك الصرح العملاق الذي بات عنواناً يتدافع إليه الجميع .. إستطاع بعون من فريق مقتدر أن يعبر بالصرح الولود إلى عوالم المجد والرفعة في فترة هي بمقاييس الحساب تعد مدهشة ومستحيلة ولكن لا غرابة في فكرة عمرها أربعين خريفاً إذ كانت هي الماكينة والبوصلة وكل الحراك.

إلتقيته في منتصف الشهر الماضي في أروقة صحيفة آخر لحظة .. كنت قاصداً مكتب أخي المخضرم علي فقيري عبادي عندما وجدته في معيته في ذلك النهار .. كنت سعيداً لإلتقائه كما كان هاشاً في مبادلتي التحية .. وإنخرطنا جميعاً في دردشات عامة .. قدمني إليه الأستاذ علي فقيري عبادي مشيراً إليه لصداقتنا القديمة إبان العمل بالولاية الشمالية في حقبة الثمانينات ومن ثم إبتدر هو الحديث عن المتغيرات التي باتت تنتظم سلك الشرطة وعن الكثير من منسوبيها الذين ولجوا عالم الكتابة والصحافة والعلوم وأن ذلك يعد نقلة ومفخرة لتاريخ الشرطة وأنه ظل يلمس تطوراً كبيراً في أدائها وخططها الرامية نحو الحداثة والتطور .. ومن ثم دلف بنا الحديث عن تخطيط المدن والعمران وذكر أنه أبدى إندهاشاً وإنبهاراً عند عودته للوطن عندما طاف بسيارته أرجاء ولاية الخرطوم وشاهد بأم عينه ما تم تشييده من طرق أسفلتية متمددة في كافة الأرجاء وكان غير مصدقاً أن يكون هذا العمل العملاق قد تم في هذه الظروف الإستثنائية من عمر الوطن .. وفي هذه الفترة الوجيزة مشيداً.. ومؤمناً على جدية القائمين على الأمر .. مضيفاً .. أما الحديث عن الجسور فهذا أمر آخر .. وإستطرد في الحديث مبدياً بعض الملاحظات على وسائل الإعلام عند رصدها لسجل الإنجازات الرسمية للدولة عن طريق الصور والدعاية مقترحاً إستخدام لغة الإحصاء والأرقام في مثل هذه الأحوال مع رصد المقارنات قبل وبعد .. فهذه هي اللغة الوحيدة التي يمكنها أن تنفذ إلى عقول الجميع فتشكل لديهم القناعات والمرجعيات ما ركنوا ناحية الموضوعية والصدقية ، وإنتهى الحوار وكنا لا نزال وقوفاً وقتها يشدنا ألق الحديث وأسر اللحظة .. عندما أضاف الأستاذ علي فقيري عبادي إعجابه الرائع بالزميل العميد منوك جركوج دينق .. من أبناء جنوب الوطن الحبيب – والذي عمل لسنوات طويلة بالمديرية الشمالية وكان منصهراً في جميع مكونات المجتمع هناك وتسلل عبر ذلك إلى قلوب الجميع .. حتى أن توج ذلك بعضويته في نادي الطمبور وإعجابه بإنسان وثقافة الشمال مشيراً لأن ذلك في حد ذاته يعتبر أنموذجاً يحتذى به في الإنفتاح على الآخر .. حتى وبعد نقله لم ينفك الناس عن عشقه بل أقدموا على إستئجار منزلاً له بالخرطوم عزموا أن يكون منزلةً لهم جميعاً دون سواه عندما يفدوا إلى الخرطوم .. وفي خضم ذلك أبان الأستاذ فقيري عن إعتزامه كتابة مقال يصب في خانة إنفتاح الجميع على خلفية هذا التمازج والإنصهار .. لاقى ذلك صدى واسعاً في أرجاء خياله وأقترحت عليه أن تتبنى آخر لحظة في منبرها الدوري تناول آفاق الإنفتاح والتعايش والتآخي بين الشمال والجنوب بالإنطلاق من تجربة ذلك الشاب الأبنوسي الرصين .. منوك .. وأبدى هو موافقة إريحية على ذلك.

ومن ثم أفترقنا بعد ذلك بعد أن أشار لي بأن كتيبة آخر لحظة تبدي إهتماماً بمشروعات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات وأنهم على موعد معنا ليحطوا الرحال بين ظهرانينا بالقلعة الحصينة لعكس مجهودات هذه الإدارة الإستراتيجية خاصة بعد أن علم أن هنالك حملةً قومية يجري تنفيذها في مجاهل الردوم بولايات دارفور للقضاء على الزراعات في معقلها.. نعم إنه أستاذ الأجيال .. القامة حسن ساتي..

ولكن أبى إيقاع الزمان الخاطف أن يترفق بمساحة إستثنائية يجدد فيها اللقاء .. فأول من أمس إستشعر هرم الصحافة .. أستاذ الأجيال .. الراحل المقيم .. حسن ساتي ألماً يعرفه تماماً .. فقد إنتابه ذلك مسبقاً .. وكان هو المشخّص لدائه .. فالمؤمن الفطن طبيب نفسه .. إستعجل على أثرها المبارحة للمستشفى طالباً عبر خبرته مع القلب الواهن أن يُلحق بغرفة العناية المكثفة .. ولكن أثناء ذلك .. كان الرحيل الفاجعة .. جاء إلى المستشفى واقفاً تسبقه إبتسامة آملة .. ولكن كما الأشجار المنتصبة فقد جاء الختام .. ختام أسطورة الفكر والإعلام .. بعد أن إختطفته يد المنية في لحظة عجلي .. كانت هي آخر لحظة .. فلكأنما كان باختياره مسمى آخر لحظة لعروسته الوليدة يلمح لرحيله الدامي في رحابها..

أخي الراحل المقيم .. العلامة .. حسن ساتي .. إن مواسم الرحيل هذه الأيام للنبلاء والأصفياء .. من أمثالكم .. فإنه هو وحده من ينتقي من يلتأمون إلى جواره الخالد ... فطوبي لك وأنت في عليائك الفخيم وأنت في جوار ومعية من هم أفضل منا جميعاً .. فلك كل الحب والدعاء ..بأن تُسدل عليك شآبيب الرحمة والمغفرة والقبول الحسن .. وأن يلهمنا الصبر وحسن العزاء وأن يثبت أحبائك ورفقائك في السفينة المبحرة .. والأسرة الصغيرة .. الزوجة .. وضاح .. إسراء .. وكل الأهل والأقارب .. كل أرجاء الشمال .. بل كل أرجاء الوطن الكبير .. وما عداه.



(إنا لله وإنا إليه راجعون)

bushra mubark
Admin

عدد المساهمات : 1265
تاريخ التسجيل : 20/11/2008
الموقع : المانيا بون

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى